علي الهجويري

462

كشف المحجوب

حاله بقي في دائرة الحفظ الإلهى ممدوحا على الدوام ومثابا في قصور البهجة ولكن من تغلب حاله على علمه فهو خارج عن الأوامر محروم من الخطاب ، وبصير في محل نفضه إما معذور وإما مغرور . ومن كلام الجنيد يستفاد أنه يوجد طريقان طريق علم وطريق عمل فالعمل بغير علم جهل ونقص ولو كان صالحا ، والعلم عز وشرف ولو لم يصحبه العمل ، ولذلك فقد قال أبو يزيد « كفر أهل الهمة أشرف من إسلام أهل الأمنية » ، والكفر لا يتأتى لأهل الهمة ، ولكن إذا جرى التقدير به فهم أكمل أيضا عن أمن أهل المنية بالإيمان . وقد قال الجنيد إن الشبلي « سكران ولو أفاق من سكره لجاء منه إمام ينتفع به » « 1 » . ومن الحكايات المشهورة أن الجنيد ومحمد بن مسروق وأبا العباس بن عطاء كانوا مرة مجتمعين ، وكان القوال يغنى أبياتا فبقى الجنيد ساكنا أما صاحباه فتواجدا ، فلما سألاه لماذا لم يشترك معهما في السماع تلا الآية وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ « 2 » . والتواجد هو تكلف الوجد بملاحظة نعم الله تعالى وآياته بالقلب والفكر في الاتصال والرغبة في أعمال الصالحين ، وبعضهم يتواجد على حسب الرسم ويقلدونهم بحركاتهم الظاهرة ، مثل هذا التواجد حرام ، والبعض يفعلونه بمعنى روحاني رغبة في الوصول إلى حال ومقام كبار المتصوفة . وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « من تشبه بقوم فهو منهم » « 3 » وقال أيضا : « إذا قرأتم القرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » ، وإن هذا الحديث يدل على جواز التواجد ومن ذلك ما قاله ذلك المرشد : « إني لأمشى ألف ميل في الباطل رغبة في أن تكون خطوة منها على حق » .

--> ( 1 ) اللمع الطوسي ص 382 . ( 2 ) سورة النمل : آية 88 . ( 3 ) رواه أبو داود والطبراني في الأوسط وحسنه السيوطي الجامع الصغير ج 2 ص 168 .